ابن أبي الحديد

165

شرح نهج البلاغة

يسأل هل لهم حق في الإمامة أم لا ؟ لان الإمامة قد يتعلق بها حقوق سواها . ثم دفع الرواية المتعلقة ببيت فاطمة ( عليه السلام ) ، وقال : فأما تمنيه أن يبايع غيره ، فلو ثبت لم يكن ذما لان من اشتد التكليف عليه فهو يتمنى خلافه ( 1 ) . * * * اعترض المرتضى رحمه الله هذا الكلام فقال : ليس يجوز أن يقول أبو بكر : " ليتني كنت سألت عن كذا " . إلا مع الشك والشبهة ، لان مع العلم واليقين ( 2 ) لا يجوز مثل هذا القول ، هكذا يقتضى الظاهر ، فأما قول إبراهيم ( عليه السلام ) ، فإنما ساغ أن يعدل ظاهره لأن الشك لا يجوز على الأنبياء ، ويجوز على غيرهم ، على أنه ( عليه السلام ) قد نفى عن نفسه الشك بقوله : ( بلى ولكن ليطمئن قلبي ) ، وقد قيل ، إن نمرود قال له : إذا كنت تزعم أن لك ربا يحيى الموتى فاسأله أن يحيى لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا ، فإن لم تفعل ذلك قتلتك ، فأراد بقوله : ( ولكن ليطمئن قلبي ) ، أي لآمن توعد عدوك لي بالقتل ، وقد يجوز أن يكون طلب ذلك لقومه وقد سألوه أن يرغب إلى الله تعالى فيه فقال : ليطمئن قلبي إلى إجابتك لي ، وإلى إزاحة علة قومي ، ولم يرد : ليطمئن قلبي إلى أنك تقدر على أن تحيى الموتى ، لان قلبه قد كان بذلك مطمئنا ، وأي شئ يريد أبو بكر من التفضيل أكثر من قوله : " إن هذا الامر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش " ! وأي فرق بين ما يقال عند الموت وبين ما يقال قبله إذا كان محفوظا معلوما ، لم ترفع كلمة ولم تنسخ ! وبعد ، فظاهر الكلام لا يقتضى ( 3 ) هذا التخصيص ، ونحن مع الاطلاق والظاهر . وأي حق يجوز أن يكون للأنصار في الإمامة غير أن يتولاها رجل منهم حتى يجوز أن يكون الحق الذي تمنى أن يسأل عنه غير الإمامة ! وهل هذا إلا تعسف وتكلف ! .

--> ( 1 ) نقله المرتضى في الشافي 419 . ( 2 ) الشافي : " التيقن " . ( 3 ) ا : " يقضى "